محمد ابو زهره
41
خاتم النبيين ( ص )
رجل صالح : وقد قالوا في أخبار نجران أنه مع مكانة عبد الله ، كان رجلا صالحا من نصارى الشام ، ويظهر من سياق الأخبار أنه كان ممن فر بدينه هاربا من أرض الرومان ، إما لاضطهادهم النصارى ، وإما لأنه رأى بعد زوال الاضطهاد أن الرومان وجهوها وجهة وثنية ، وانحرفوا بها عن التوحيد الذي هو لبها وأصلها . وذلك الرجل اسمه « فيميون » كان رجلا زاهدا صالحا مجتهدا عاملا لا يأكل إلا من كسب يده ، كان حريصا على أن يعيش مستخفيا ، لا يريد أن يعرفه الناس ، فما أن يعرف في قرية ، حتى يخرج منها إلى غيرها ، ولكن فضله كان يكشفه . ولعل السر في استخفائه أنه كان مضطهدا ، فأراد ألا يعرف ، وأن يذهب إلى أماكن متفرقة يحتقب عقيدته الخالصة ، حتى لا يكون اضطهاد يقع به . ولقد تبعه في ذهوبه وجيئته شاب اسمه صالح ، اتبعه اتباع المريد للشيخ ، فكان ينزل معه حيث نزل ، ويرحل من حيث ارتحل . وبينما هما يسيران اختطفتهما سيارة ، واسترقهما من فيها ، وباعوهما ، وقد رأى من ابتاع فيميون في عبده المزعوم خيرا كثيرا ، إذ كان يقوم من الليل ويصلى ، غير ابه لرق الجسد ، ما كانت له حرية العبادة . وكان أهل نجران يعبدون نخلة ، كما كان أهل مدين من قبل يعبدون أيكة ، وقد أخذ ذلك الزاهد الطيب يدعو لله واحده ، ويسيطر بدينه على من استرق بدنه . قال لهم : إنما أنتم في باطل ، إن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع ، ولو دعوت عليها الله الذي أعبده واحده لا شريك له لأهلكها . قال الرجل : فافعل . فإنك إن فعلت دخلنا في دينك ، وتركنا ما نحن عليه . فقام فيميون وتطهر وصلي ، ثم دعا الله تعالى عليها ، فأرسل الله تعالى عليها ريحا فاقتلعتها ، فاتبعه عند ذلك الكثيرون ، وذاعت حاله ودعاؤه ، وما كان للشجرة بعد الدعاء . وبذلك دخلت نجران في دين ( فيميون ) فحملهم على الشريعة الحق من دين عيسى عليه السلام . ولا شك أن هذا الخبر لا يخلو من الأساطير ، وخصوصا أن فيه بعض الأوهام ، وقد ضربنا عن ذكرها صفحا ، واكتفينا منها بما يقبل التصديق ، ولا يوجد ما يدل على الكذب ، أو يوهم بأنه غير معقول في ذاته .